المامقاني

445

غاية الآمال ( ط . ق )

في هذا الحديث ان ما أخرجه البحر فهو لأصحابه وما تركه أصحابه آيسين منه فهو لمن وجده وغاص عليه لأنه صار بمنزلة المباح ومثله من ترك بعيره من جهد في غير كلاء ولا ماء فهو لمن أخذه لأنه خلاه آيسا منه ورفع يده عنه فصار مباحا وليس هذا قياسا لان مذهبنا ترك القياس وانّما هذا على جهة المثال والمرجع فيه إلى الإجماع وتواتر النصوص دون القياس والاجتهاد وعلى الخبرين إجماع أصحابنا منعقد انتهى وتقريب الاستدلال ان قوله والمرجع فيه إلى الإجماع بعد قوله وانّما هذا على جهة المثال معناه ان المرجع في هذا إلى الإجماع ( صح ) على العنوان الكلَّي الذي هذا فرد منه فيكون ذلك الكلَّي عبارة عن مال خلَّى مع اليأس عنه والتخلية في كلامه كالترك في الرواية الدّالة على حكم البعير عبارة عن الاعراض بل لنا ان نقول انّه يكفى قوله في ذيل كلامه وعلى الخبرين إجماع أصحابنا منعقد بضميمة ما علل به الحكم المذكور في رواية البعير بقوله ( رحمه الله ) لأنه خلاه آيسا منه إذ لولا كون الكبرى الكلَّية المنطبقة عليه مسلمة لم يكن للاحتجاج به وجه وفيه أولا ان الإجماع المذكور بالنسبة إلينا من قبيل المنقول ولا وثوق لنا به مع اختلاف أقوالهم واضطراب كلماتهم كما عرفت وستعرف زيادة على ذلك فيما يمرّ بك عن قريب ( إن شاء الله ) ( تعالى ) ويزيد في بعد الدعوى المذكورة عن خير الوثوق ان مقتضى قوله صار بمنزلة المباح وقوله فصار مباحا ان المال قد صار من قبيل المباحات الأصلية ولازمه القول بالملك اللازم بعد الحيازة كما صرّح بلازمه في كتاب اللقطة من السّرائر حيث قال ويترك البعير إذا وجده في المفازة الا أن يكون قد خلَّاه صاحبه من جهد في غير كلاء ولا ماء فليأخذه فإنه بمنزلة الشيء المباح وليس لصاحبه بعد ذلك المطالبة به فإن كان قد خلاه في كلاء وماء فليس له أخذه وكذلك الحكم في الدابة انتهى ومعلوم ان بعد القول بالملك اللازم عن خير الإجماع أزيد من القول بمطلق الملك وثانيا إنا لو سلمنا جواز الركون إلى الإجماع المذكور كان اللازم الحكم بمقتضاه وليس مقتضاه إلا صورة الياس وليس في الكلام المدعى فيه دلالة على الاعراض الذي هو المبحوث عنه لأن النسبة بين الاعراض والياس عموم من وجه وكل من الترك والتخلية أعمّ منهما ( مطلقا ) وقد قيد العام بالخاص الذي هو الياس ورفع اليد في كلامه عبارة عن رفع سلطنته الذي هو عبارة أخرى عن الترك والتخلية المذكورين في المقام فهو غير ملازم للاعراض القلبي الذي هو البناء على عدم كونه في عداد أمواله ولما ذكرنا قال الشهيد ( رحمه الله ) في كتاب القضاء من الدروس بعد ذكر رواية الشعيري ما لفظه وحملها ابن إدريس ( رحمه الله ) على يأسهم منه فهو كالبعير المتروك وبعضهم على الاعراض منه انتهى وقال في كشف اللثام في شرح قول العلامة ( رحمه الله ) في القواعد ولو انكسرت سفينة في البحر فلأهله ما أخرجه البحر وما اخرج بالغوص لمخرجه ان تركوه بنية الإعراض ما لفظه لقول الصادق ( عليه السلام ) في خبر الشعيري إلى أن قال ولضعفه ومخالفته للأصول حمله على الاعراض وحمله ابن إدريس ( رحمه الله ) على الياس انتهى وقد عرفت ما ذكره صاحب الرياض ( رحمه الله ) في العبارة التي قدمنا ذكرها من قوله فأبو العباس في مقتصرة نزله على ما ذكره الحلَّي من التقييد بصورة الياس وآخرون نزلوه على صورة الاعراض ومن ذلك كله يعلم سقوط استدلال للمستدل كما يعلم سقوط ما حكاه في الجواهر بقوله وربما استظهر من عبارة ابن إدريس ( رحمه الله ) المتقدمة اعتبار الياس زيادة على الاعراض فيه انتهى ولعلّ مراده بالمستظهر هو الفاضل القمي ( رحمه الله ) لأنه قال بعد ذكر كلام ابن إدريس ( رحمه الله ) ظاهر كلام ابن إدريس ( رحمه الله ) دعوى الإجماع على أن المال المأيوس منه المعرض عنه كالمباح انتهى واما ما ذكره الفاضل المذكور من أنهم ذكروا في مسئلة حفر البئر في الأراضي المباحة لا بنية التملك بل لينتفع به انه لو عاد إليها بعد الاعراض ساوى غيره فلا دخل له بالمقام لان كلامهم ذاك مسوق لبيان عدم حصول الملك من أوّل الأمر لا لبيان زواله بعد حصوله على ما هو المقصود فيما نحن فيه الثالث الاخبار قال ابن إدريس ( رحمه الله ) في باب النوادر من كتاب القضايا والأحكام روى الحسين بن علي بن يقطن عن أمية بن عمرو عن الشعيري قال سئل أبو عبد اللَّه ( عليه السلام ) عن سفينة انكسرت في البحر فأخرج بعضها بالغوص وأخرج البحر بعض ما غرق فيها اما ما أخرجه البحر فهو لأهله اللَّه أخرجه لهم وامّا ما اخرج بالغوص فهو لهم وهم حق به وروى في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) انه كان يضمن الصياغ والقصار والصائغ اختلاطا على أمتعة الناس وكان لا يضمن من الغرق والحرق والشيء الغالب فإذا غرقت السفينة وما فيها فأصابه الناس قاطبة فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله فهم أحق به وما غاص عليه الناس فأخرجوه وقد تركه صاحبه فهو لهم قال في الوسائل بعد نقل هذا الخبر الأخير عن محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ورواه الصدوق مرسلا ورواه ابن إدريس في أخر السرائر نقلا عن جامع البزنطي وفي الفقيه عن السكوني عن جعفر بن محمد ( عليه السلام ) عن أبيه ( عليه السلام ) قال قضى على ( عليه السلام ) في رجل ترك دابته من جهد قال إن تركها في كلاء وماء وأمن فهي له يأخذها حيث أصابها وان تركها في خوف وعلى غير ماء وكلاء فهي لمن أصابها وقد تقدم صحيحة عبد اللَّه بن سنان في جملة أدلَّة القائل بكون الاعراض مخرجا وفي الوسائل بسنده عن مسمع عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان يقول في الدابة إذا سرحها أهلها أو عجزوا عن علفها أو نفقتها فهي للذي أحياها قال وقضى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في رجل ترك دابة بمضيعة فقال ان كان تركها في كلاء وماء وأمن فهي له يأخذها متى شاء وان كان تركها في غير كلاء ولا ماء فهي لمن أحياها وجه الاستدلال بأخبار السفينة انها لما كانت ضعيفة السند غير معمول بها على إطلاقها فلا بد من تقييدها بصورة الاعراض أو يقال إنها تنصرف بحكم الغلبة إلى الصّورة المذكورة بمعنى ان الغالب ان ما لم يخرجه البحر وما لم يتمكن أهله من إخراجه يعرض عنه أهله فالتقييد انما هو من الانصراف لا من الخارج وبعد التقييد بالإعراض فهي منجبرة بالشهرة كما ادعاها الفاضل القمي ( رحمه الله ) وبالإجماع المنقول ولا غبار في دلالتها بعد ذلك لان ظاهر اللازم إفادة الملك بل إفادة الملك اللازم مع إنا لو أغمضنا عن الظهور نقول إنه بعد ثبوت أصل الملك يتم بقاؤه ولزومه بالاستصحاب فيحتاج الحكم بالتزلزل الملازم للارتفاع إلى الدليل ثم إن الاستدلال بالرواية الأولى موقوف على دلالتها على كون ما اخرج بالغوص للغائص والضمير في قوله واما ما اخرج بالغوص فهو لهم يحتمل ان يعود إلى أهله بل ( الظاهر ) ذلك لكونه بلفظ الجمع وقد أشار إلى دفع هذا الإشكال في كشف اللثام بقوله واحتمال عود الضمير في لهم إلى أهله في غاية البعد مع التفصيل انتهى ووجه الاستدلال بأخبار لقطة البعير والدابة وفيها الصحيح وغيره ان تركها لا يكون الا مع الاعراض ونظر الفقهاء ( رضي الله عنه ) في الحكم بمضمونها انما هو إلى هذه الجهة والترك ورواية السكوني وفي ذيل رواية مسمع كالتصريح في صدرها عبارة عن الاعراض وأوضح منها صحيحة عبد اللَّه بن سنان